ابو جعفر محمد جواد الخراساني
27
هداية الأمة إلى معارف الأئمة
لكن له القضاء والتصديق * في كلّ ما نبّهه الصدّيق كذا تميز صحّة الدليل * له عن الفاسد والعليل * * * بعون الاستدلال ؛ وذلك ظاهر لمن راجع وجدانه . فإنّا لا نعقل الأشياء كلّها لا بالفطرة ولا بالاكتساب ، وإنّ مجهولاتنا أكثر من معلوماتنا ، لكن له القضاء ؛ أي الحكم والتّصديق في كلّ ما نبّهه الصدّيق ، فيحتاج إلى منبّه ومعلّم ؛ كالطّفل الّذي له استعداد التّعلم ، فيتعلّم الأشياء من معلّمها شيئا فشيئا . فالعقل بنفسه لا يدرك كثيرا من الأشياء ، وإن خاض فيها خوضا وأتعب فيها طولا وعرضا ؛ لكن إذا نبّهه وعلّمه معلّم صدّيق ، كان له شأنيّة الحكم والتّصديق ، فهو غير محدود من هذه الجهة . وكما أنّ له مقام الحكم ، كذا تميز صحّة الدليل له عن الفاسد والعليل ؛ فهو في هذا المقام أيضا مطلق من غير تحديد . ثمّ إنّ من تحديد العقل أيضا ، أنّه لا يدرك الجزئيّات الخارجيّة بلا واسطة ، كما يأتي . معرفة « الصانع » من طريق العقل والوصف غيابيّة ، اجماليّة ، اثباتا وتوصيفا اعلم ، إنّ المعرفة بالشيء ، قد تكون « شهوديّة » : « وهي أن تكون مشهودا بالعيان أو محسوسا بإحدى الحواس الظاهرة » ؛ وأخرى غيابيّة : « وهي أن لا يكون مشهودا ولا محسوسا . » ومعرفة الصانع عند الجميع ، غيابيّة ، إلّا عند من يجوّز الرّؤية . والقائلين بالكشف أيضا ينكرون الغيابيّة ، لكنّهم يسمّون كشفهم بالغيب ، « شهودا » ؛ فهم يدّعون مرتبة بين المرتبتين ؛ أعني الغياب والشّهود . ثمّ المعرفة الغيابيّة ، قد تكون اجماليّة : « وهي العلم بوجود الشيء وثبوته اجمالا » . وهذا لا نسمّيه « معرفة » في الاصطلاح ، بل هو العلم بالشّيء ؛ وأخرى تفصيليّة : « وهي العلم بخصوصيّاته وصفاته » . وقد تقدّم أنّ المعرفة الاثباتيّة ، ليست إلّا من شأن العقل فقط ؛ وأمّا التفصيليّة ، فهي بالعقل والوصف معا . ولكنّ الّذي عندنا ، أنّ المعرفة في باب الصّانع ( سواء كانت بالعقل أو بالوصف ) تفصيلها أيضا اجمال . أمّا الوصف ، فظاهر ؛ فإنّ غاية ما يظهر من الآيات